محمد هادي معرفة

188

التمهيد في علوم القرآن

وأخرج الحافظ الحسكاني حديث نزول الآية بشأن إعطاء رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وآله ) فاطمة ( عليها السلام ) فدكا ، بأسانيد وطرق عديدة « 1 » . قلت : ولكن ظاهر الآية كونها شريعة عامّة ، وظيفة لكلّ مسلم ، وجاءت مجملة بوجوب الإنفاق على ذوي القربى والمساكين ، كما هو طابع التشريعات المكيّة ، ثم فصّلت حدودها بعد الهجرة بالمدينة . والآية بعمومها شاملة للنبيّ ( صلى اللّه عليه وآله وسلم ) فهو أيضا مأمور بمواصلة الأرحام والإنفاق عليهم وعلى الفقراء ، كأحد المسلمين . إذن فالآية - لعلّها - نزلت للمرة الثانية بعد فتح خيبر ، وبعد ما أفاء اللّه على رسوله والمؤمنين ، نزل بها جبرئيل يذكّره بها وجوب مواصلة قرباه ، فدعى فاطمة ( عليها السلام ) وأعطاها فدكا ، ولا دليل على أنّ الآية نزلت - في أوّل نزولها - حينذاك . أو لعلّ الآية التي نزلت بخيبر ، بشأن مواصلة القربى ، كانت غيرها : فقد ورد في حديث « منهال بن عمرو » بالشام - أيضا - عن علي بن الحسين زين العابدين ( عليه السلام ) في قوله تعالى : « ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ » « 2 » . وأهل القرى : هم بنو قريظة وبنو النضير . والقرى ، هي : فدك وخيبر وعرينة وينبع ، أصبحت غنائم في يد المسلمين . وقد نزلت الآية بشأنها حينذاك « 3 » . فلو صحّ أنّ جبرئيل ( عليه السلام ) جاء بالآية الأولى أيضا ، فهو تذكير للنبيّ ( صلى اللّه عليه وآله وسلم ) بحكم سابق ، وتأكيد لحكم حاضر . هذا إذا لم يكن الراوي قد اشتبهت عليه إحدى الآيتين بالأخرى ! * * *

--> ( 1 ) شواهد التنزيل : ج 1 ص 338 - 341 . ( 2 ) الحشر المدنية : 7 . ( 3 ) مجمع البيان : ج 9 ص 260 - 161 . وجاء في الدر المنثور : ج 6 ص 189 إشارة .